القرطبي
367
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
صلاح المسلمين ، حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس وهو ما يستر العورة وهو من سرته إلى ركبتيه ، وقوت يومه ، لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه ، وإن كره ذلك من يأخذه منه . وفارق ها هنا المفلس في قول أكثر العلماء ، لان المفلس لم يصر إليه أموال الناس باعتداء بل هم الذين صيروها إليه ، فيترك له ما يواريه وما هو هيئة لباسه . وأبو عبيد وغيره يرى ألا يترك للمفلس اللباس إلا أقل ما يجزئه في الصلاة وهو ما يواريه من سرته إلى ركبته ، ثم كلما وقع بيد هذا شئ أخرجه عن يده ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا ، حتى يعلم هو ومن يعلم حاله أنه أدى ما عليه . السابعة والثلاثون - هذا الوعيد الذي وعد الله به في الربا من المحاربة ، قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في المخابرة . وروى أبو داود قال : أخبرنا يحيى بن معين قال أخبرنا ابن رجاء ( 1 ) قال ابن خيثم حدثني عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله " . وهذا دليل على منع المخابرة وهي أخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع ، ويسمى المزارعة . وأجمع أصحاب مالك كلهم والشافعي وأبو حنيفة وأتباعهم وداود ، على أنه لا يجوز دفع الأرض على الثلث والربع ، ولا على جزء مما تخرج ، لأنه مجهول ، إلا أن الشافعي وأصحابه وأبا حنيفة قالوا بجواز كراء الأرض بالطعام إذا كان معلوما ، لقوله عليه السلام : " فأما شئ معلوم مضمون فلا بأس به " خرجه مسلم . وإليه ذهب محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، ومنعه مالك وأصحابه ، لما رواه مسلم أيضا عن رافع بن خديج قال : كنا نحاقل بالأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى ، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا ، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا ، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكتريها على الثلث والربع والطعام المسمى ، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزارعها ( 2 ) . وكره كراءها وما سوى ذلك . قالوا :
--> ( 1 ) كذا في ج ، ه . وهو الصواب كما في سنن أبو داود ، وفى ا ، ب ، ج : أبو رجاء . ( 2 ) كذا في ا : وهو ما نهي عنه ، والذي في ب ، ج ، ح ، ه : يزرعها أو يزرعها . أي أمكن غيره من زرعها وهذا في معنى الحديث " من كانت له فليزرعها أو ليمنحها أخاه " .